بيان الحكومة أمام المجلس التشريعي الفلسطيني

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس

السادة الاعضاء،،،

            بداية انقل لحضراتكم تحيات الرئيس ياسر عرفات والأخوة في السلطة التنفيذية، وتمنياتهم لمجلسنا التشريعي بالتقدم والنجاح.

            كما انقل اليكم اعتزاز الرئيس والسلطة التنفيذية، بخطوة المجلس للانعقاد ـ وبهذه الطريقة غير المألوفة، بما يجسده ذلك من حرص على عمل المؤسسة في ظل أقسى الظروف، وإصرار على خيارنا الديمقراطي في ادارة شئوننا ومعالجة قضايانا على كافة المستويات.

السيد الرئيس،

            إن بيان الحكومة، يتضمن جزئين محدودين

            الاول  ـ الموقف السياسي

            والثاني ـ الوضع الداخلي.

الموقف السياسي

تنعقد جلستنا هذه بعد انقطاع قسري، ولمدة طويلة، وخلال هذه المدة جرت أحداث عاصفة، ولم يكن اعضاء المجلس بعيدين عنها، بل تفاعلوا معها، وشاركوا في وقائعها، كل في مكانه ودائرته. لذا، لن استفيض في سرد ما حدث خلال الاشهر الخمسة الماضية بل أبدأ هذا الجزء من التقرير.. من حيث نقف الآن.

·                    الانتفاضة

            رغم هول العدوان الإسرائيلي، وقسوة إجراءاته ضد شعبنا، إلا أن انتفاضة الأقصى، انتفاضة الحرية والاستقلال ما تزال متواصلة على هيئة موجات حيوية ونشطة وفعالة.

ولعل أبرز خصائص هذه الانتفاضة ( ويدل على ذلك الشهداء والجرحى ) هو استنادها لعمق شعبي بالغ القوة، تجسده وحدة وطنية وانخراط جماعي في كل فعاليتها وفصولها.

والانتفاضة ـ النابضة بالحياة ـ ليست معزولة عن التراث الكفاحي المتواصل لشعبنا الفلسطيني، كما أنها ليست بعيدة عن الأفق السياسي الذي حددته مؤسساتنا الوطنية، عبر قرارات المجالس الوطنية، انها رافد أساسي من روافده، ورافعة ضرورية من روافعه وهي حق مشروع لشعبنا، الذي ما تزال معظم أراضيه محتلة، وما زال الاستيطان جاثماً ومتمادياً بشروره عليها وعلى مواطنينا.

·                    التحرك السياسي: لقد برهن الجسم الوطني الفلسطيني ـ ومن خلال اطره المختلفة عبر منظمة التحرير، والسلطة الوطنية انه قادر على أداء أعقد وأوسع معركة سياسية تتزامن وتتكامل مع معركة الصمود الوطني في وجه الاحتلال والاستيطان والعدوان. وامكن لهذا التحرك ان يحقق نتائج مميزة، على الصعيد الدولي والإقليمي العربي والإسلامي. وبناءً على هذه النتائج المجسمة يواصل التحرك السياسي انطلاقته، بزخم متجدد، لتوفير أوسع لدعم لحقوقنا الوطنية، المستندة الى الشرعية الدولية، وفي القلب منها جلاء الاحتلال بكافة أشكاله عن جميع أراضينا المحتلة منذ عام 1967 وفي مقدمتها القدس العاصمة الابدية لدولتنا الفلسطينية المستقلة، وتحقيق حق العودة للاجئين على اساس الشرعية الدولية والقرار 194.

·                    المفاوضات:

            وهنا أترك المجال، للأخوة أعضاء الفريق التفاوضي اللذين يشاركوننا هذا الاجتماع، ليقدموا لنا عرضاً تفصيلياً لما تم عبر جميع المحطات التفاوضية، وليكون نقاشنا حول خياراتنا التفاوضية المستقبلية، قائم على حصيلة كافية من المعلومات.

الوضع العربي والإسلامي

            إذا كنا قد سلمنا، بأن انتفاضة الاقصى، قد ألهبت مشاعر جماهيرنا العربية والاسلامية، وفرضت عقد مؤتمر قمة عربي، ولجنة القدس، ثم فيما بعد المؤتمر الاسلامي، إلا أن زخم الدعم العربي المنشود للانتفاضة إتخذ صورة تراجع على نحو مؤسف، ولأمر هنا لا يتعلق فقط بعدم وصول الدعم المالي الذي قرر لشعبنا وبأسمه ، وإنما فيما هو أكثر خطورة من ذلك، وهو الآليات ا لمقترحة من قبل البعض لإيصال هذا الدعم. ومع أننا أظهرنا كل المرونة الضرورية لتوفير آليات سريعة وفعالة لإيصال الدعم في الاتجاه الصحيح، إلا أن البعض ذهب الى حد اقتراح آليات تتجاوز السلطة والمنظمة، لتتخذ شكل الاحسان الخيري  مما يؤثر سلبياً وربما بصورة تدميرية على مؤسساتنا الوطنية القيادية في منظمة التحرير والسلطة الوطنية.

إننا نشعر بمرارة عميقة، جراء مبالغة البعض في ايجاد تبريرات عدم تقديم الدعم، في وقته ومكانه، خاصة والجميع يرى حجم المعاناة والمأساة، ويرى كذلك الالحاح الأمريكي والاسرائيلي لرؤية تنازلات سياسية يقدمها الجانب الفلسطيني تحت ضغط الحصار والتدمير المنهجي المتصاعد.

إننا من هنا، ونحن على أبواب القمة العربية الجديدة في عمان نوجه نداءنا لاشقائنا العرب، للإسراع في إيصال الدعم المقرر، والمسألة هنا ليست مسألة إجراءات مصرفية، وانما هو في الاساس قرار سياسي وينبغي التصرف في هذا الشأن على هذا الاساس.

وبوسع الدكتور رياض الزعنون رئيس وفدنا الى الدول العربية أن يشرح لكم آلياتنا المقترحة للصرف، وهي آليات دقيقة وشاملة ومضمونة.

·                    الوضع الدولي:

            منذ استفراد الولايات المتحدة بعملية السلام، وحتى أيامنا هذه، والعملية تسير من انتكاسة الى أخرى، حتى جرى التسليم أخيراً بالفشل..

اننا ننتظر زيارة وزير الخارجية الامريكي الى المنطقة، لاستطلاع المواقف والخطط الأمريكية إزاء عملية السلام ـ إن وجدت ـ ونؤكد هنا على ضرورة إيجاد التوازن المفقود على صعيد القوى المشاركة في العملية والضامنة لها، ونؤكد على أهمية دور الامم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان، كما نؤكد مسؤولية هذه الدول والقوى في تثبيت الشرعية الدولية كأساس لحل كافة قضايا النزاع، وتثبيت المرجعيات المعتمدة لعملية السلام دون تغيير.

الوضع الإسرائيلي

            إننا نواجه الآن، مخاض حكومة إسرائيلية جديدة يقودها اليميني المتطرف الجنرال شارون، ونسمع كل يوم إشارات تهديدية مباشرة على صعيد مواصلة العدوان، وشارات سياسية تتجسد في التراجع العلني عن التفاهمات والاتفاقات التي تم التوصل اليها.

اننا وإن كنا على نحو بديهي، بحاجة للاطلاع المباشر على برنامج الحكومة الإسرائيلية الجديدة، إلا أن المقترحات التي نراها تدل بوضوح على أن هذه الحكومة اليمينية وبصرف النظر عن القوى المشاركة فيها. بصدد التخلي عن الاتفاقات والتفاهمات وبصدد صياغة أطر ومرجعيات من طرف واحد، إننا مبدئياً نرفض هذا الاتجاه، ونؤكد استعدادنا للمضي قدماً في عملية السلام على أساس مرجعياتها المتفق عليها، تلك المرجعيات التي ضمنها العالم منذ مؤتمر مدريد، وحتى الآن، والتي تستند جملة وتفصيلاً الى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بجميع مواضيع الحل الدائم لقضايا الصراع العربي الإسرائيلي.

الوضع الداخلي:

            إن هناك ـ شعوراً جماعياً، ورغبة شعبية شاملة، بضرورة التوقف ملياً وبشكل مسؤول وموضوعي لدراسة أوضاعنا الداخلية من كل الجوانب، ومواجهة جوانب الخلل في أداء السلطة  ومؤسساتها وأجهزتها، ليس من أجل قطع الطريق على كل من يحاول استغلال الثغرات الموجودة في وضعنا الداخلي، لتبرير التنصل من الالتزامات، ولكن من أجل أن يعيش مواطننا الصابر المرابط، حياة كريمة على أرض وطنه، ومن أجل إنهاء كافة الظواهر المرضية التي انتشرت بفعل هذه الثغرات. صحيح أننا نواجه حرباً تدميرية، بهدف ضرب بناءنا الداخلي، وثوابتنا الوطنية، غير أن الصحيح كذلك، هو أن أحد مستلّزمات الصمود الأطول مدى والأكثر فاعلية هو ترتيب بيتنا الداخلي من كل الجوانب .. ولعل ما يفتح آفاق الأمل بالنجاح، هو هذا الصمود النادر لشعبنا وسلطتنا ومؤسساتنا الوطنية في وجه العدوان، صموداً على الأرض وفي إطار الوحدة الوطنية المتجددة عبر الانتفاضة، صموداً على الموقف الوطني عبر التمسك الواعي بالثوابت الوطنية، حيث اختير هذا التمسك في كامب ديفيد وطابا وفي كل جولات الضغط وما أكثرها وما أشدها قسوة.

لقد بدأت السلطة التنفيذية في فتح الملف الداخلي وتمكنت مجموعة وزارية من إنجاز مقترحات عملية محددة لمعالجة الخلل معطين السلطة القضائية الأولوية القصوى دون أن يؤثر ذلك بالطبع على باقي نواحي وضعنا الداخلي على كافة الصعد الادارية والمالية والرقابية والاقتصادية.

لقد آن الأوان لظهور تفاعل خلاّق بين مؤسساتنا الوطنية جميعاً في هذا الاتجاه، فهذا الوطن لنا جميعاً، وهذا الشعب هو حاضنتنا جميعاً. وخيارنا بالكفاح حتى الحرية والاستقلال وبناء دولتنا الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين هو خيارنا جميعاً، وهذا كله مرهون بتصليب الارض التي نقف عليها، واحترام الانسان الذي قدم قوافل الشهداء دون تردد، وقدم مئات ألوف الأسرى دون تخاذل وقدم مئات ألوف الجرحى على الطريق الذي مهما طال يظل الأكثر قصُراً واماناً من أي طريق آخر يحاول أعداءنا فرضه علينا .

مرة اخرى نحيي مجلسنا التشريعي، الصامد في وجه اعتى التحديات، نحيي شعبنا العظيم، الذي ما خذل قضيته ولا تاريخه، ولا تطلعاته الوطنية المشروعة، لنقاوم محاولات فرض الوهن من داخلنا لنقاوم معاً تلك الشائعات التي لا هم لها الا تمزيق صفوفنا، وزرع الشقاق في جبهتنا ونحن في أشرف مواجهة مع الاحتلال.

ولتكن ثقتنا كبيرة  بهذا الشعب، الذي ضرب أروع مثل في الصمود والعنفوان.

المجد والخلود لشهدائنا الابرار

الصحة والعافية لجرحانا الابطال

الحرية لأسرانا العظماء

والحياة والعطاء لشعبنا على ارض الوطن وفي الشتات

والله ولي التوفيق