كلمة السيد نبيل عمرو وزير الشؤون البرلمانية أمام المجلس التشريعي في جلسة المجلس التشريعي بتاريخ 15/9/2001.

السيد رئيس المجلس
السيدات والسادة الأعضاء .
فيما كانت القيادة الفلسطينية، منهمكة في معالجة فصول العدوان الإسرائيلي المستمر والمتصاعد، ضد الشعب الفلسطيني، ومؤسساته الوطنية، ومرافقه. فوجئنا كما فوجئ العالم بأسره، بالاعتداء الوحشي الذي تعرضت له بعض المؤسسات والمنشآت الأمريكية الهامة وذلك في اضخم عمل إرهابي. يسجل في هذا العصر، مما أدى إلى قتل وإصابة الآلاف لم يعرف عددها الدقيق بعد.
ومنذ اللحظات الأولى، بادر الرئيس ياسر عرفات، إلى اتخاذ الخطوات اللازمة، على النحو التالي ....
أولا: إرسال برقية تعزية ومواساة للرئيس الأمريكي جورج بوش- أعرب فيها عن تأثره البالغ. وتضامنه القوي مع الشعب الأمريكي في هذه المحنة الكبرى، كما أدان هذه العملية البشعة، من منطلق أخلاقي ومبدأي، ينسجم مع الأصالة الفلسطينية العربية والإسلامية، وأخلاقياتها السامية .
ثانيا : أصدرت القيادة الفلسطينية، بيانا أدانت فيه هذه العملية البشعة وأعربت عن استعدادها للمشاركة في أي جهد دولي شامل، لمحاربة الإرهاب، واستئصال جذوره ومسبباته. واضعين في الاعتبار أن الشعب الفلسطيني هو أول ضحايا الإرهاب، واشد شعوب الأرض معاناة منه.
ثالثا : وفي الوقت الذي حاولت فيه جهات إسرائيلية وصهيوينة إقحام الفلسطينيين في هذا الحدث المروع، اظهر شعبنا بكل كبرياء وأصالة، تعاطفه مع الضحايا وذويهم. كما اظهر تضامنا واعيا مع الشعب الأمريكي في هذه المحنة، فكانت لفتة الرئيس بالتبرع بالدم إيذانا بحملة شعبية في هذا الاتجاه نظر إليها العالم بكل تقدير واحترام.
إن قراءة الحكومة لهذا العمل الدموي المدان، وغير المفهوم وغير المبرر لا من حيث المكان والوسيلة والهدف، تخلص إلى مايلي :-
اولا، إن السعي الصهيوني المحموم، لتحويل أنظار العالم نحو الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وإلصاق تهمة الضلوع بمثل هذا العمل اللاأخلاقي، يجب أن تواجه بموقف عربي وإسلامي جماعي وقوي وواضح، يدين الإرهاب بكافة أشكاله وفي ذات الوقت القيام بجهد حثيث عبر الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، وكافة المؤسسات والإطارات العربية والإسلامية الفردية والجماعية، نفضح هذا التوجه المعادي وتنبيه العالم والولايات المتحدة بالذات إلى أن المضي في هذا التحريض، يعني نقل الاضطرابات إلى أوسع مساحة في عالمنا، وهذا أمر ربما يكون هو الدافع الرئيسي للإرهابيين المعادين لمبدأ الاستقرار الدولي .
ثانيا، إن هذا العمل الوحشي الذي تم في وضح النهار، وضرب في الصميم رموز القوة الأمريكية، والاستقرار الأمريكي، ينبغي أن يشكل دافعا قويا لحث جميع دول العالم، على تبني معالجات جذرية لظاهرة الإرهاب، والمعالجة الجذرية، لا تكون من خلال إجراءات موضعية سطحية ذات سمة مؤقتة، وإنما من خلال سياسة موضوعية، يرى فيها العالم مشاكله الحقيقية وكيفية حلها، وهذا يتطلب التصدي بكل شجاعة وتصميم لكافة بؤر الصراع الإقليمي الساخن ( وأكثرها حدة يتركز في الشرق الأوسط ) وكذلك مساعدة الشعوب الفقيرة على تنمية بلدانها ومجتمعاتها، وتوسيع قاعدة المشاركة الدولية في معالجة القضايا المتفجرة في العالم، على أساس تطبيق دقيق لقرارات الشرعية الدولية، التي تشكل المرجعية القانونية الوحيدة المؤهلة لحل مشاكل العالم على كافة مستوياتها .
ثالثا، إن ما حدث في واشنطن ونيويورك، سيظهر على المدى القريب والمتوسط، الحاجة إلى ترشيد أسس ووسائل ومضمون العلاقات الدولية، لقد وجهت الولايات المتحدة، اكثر من نداء، لبلورة تحالف دولي، لمحاربة الإرهاب ولا مناص من أن يدخل هذا الأمر الدقيق والحساس، في صلب العناصر المؤثرة في العلاقات الدولية، وتحالفاتها، فالإرهاب أضحى عنوانا لحرب ساخنة جديدة، تحل مكان الحرب الباردة القديمة وبالنسبة لنا كفلسطينيين، أصحاب قضية عادلة، وفي ذات الوقت شركاء أصيلين في معادلة القوى الشرق الأوسطية، ينبغي أن نتلمس موقع أقدامنا بحذر وتبصر، ونحن نمشي فوق شبكة جديدة من الاعتبارات والمؤثرات المكتظة بالألغام والمصائد، دون أن نبعد عن تفكيرنا، أن هنالك من يراقب بدقة سلوكنا وكلامنا، وينتظر ظهور مبرر للانقضاض مستفيدا من الفترة الحرجة التي يمر بها العالم، في لحظات ترقب القرار الدولي وبلورته وتحديد اتجاهاته، لذلك، فإننا نؤكد إننا كشعب وكيان وقيادة جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي، بكافة إطاراته الشرعية وتلتزم التزاما كاملا بجميع المواثيق الدولية، التي مهما جرى إهمالها و تجاوزها من قبل كثيرين، ينبغي أن تعود للحياة كمرجعية وكحكم، ونؤكد ذلك، إننا نملك حق الإسهام الإيجابي في تحديد مفهوم الإرهاب، ووسائل وكيفية محاربته، فحين يكون هذا الخطر محدقا بالجميع، فلا حظر على أي عضو في الأسرة الدولية، من أن يقدم قراءته للإرهاب واشكاله وبالنسبة لنا، فان قتل المدنيين بشكل فردي أو جماعي هو إرهاب واحتلال شعب واستيطان ارض، هو إرهاب، و العقوبات الجماعية المحرمة دوليا هو إرهاب، والحصار بكافة أشكاله ومستوياته هو إرهاب، ومثلما كنا سباقين في إدانة أي عمل أودى بحياة مدنيين إسرائيليين، فإننا بحاجة لسماع ورؤية إدانات قوية وفعالة، لما يتعرض له شعبنا منذ سنة من قتل وتنكيل وعقاب جماعي، وإننا ونحن نتعاطف بصدق- مع الشعب الأمريكي، في محنته المؤلمة، نجدد استعدادنا للتعاون من اجل محاربة الإرهاب وتوفير مستلزمات استقرار إقليمي ودولي .
السيد الرئيس
السادة الأعضاء
في ذات الوقت الذي كانت تسيل فيه دماء أمريكيين، من أجساد مسلمة ومسيحية ويهودية، كانت دماء أبنائنا في غزة وجنين ومعظم أنحاء الوطن، تسيل بفعل نيران الغازات والدبابات والبنادق، وهذا التوافق في الموت والدم أملى على العالم - وعلى الإدارة الأمريكية في المقدمة, أن تستأنف جهودها للعمل من اجل وضع حد لدوامة الموت والدم في بلادنا, وفي هذا السياق اتصل الوزير كولن باول بالرئيس ياسر عرفات اكثر من مرة, للدفع باتجاه عقد لقاء مع السيد شيمعون بيريس, وكذلك فعل الأوروبيون, والأمم المتحدة والأشقاء العرب, وقد تم تجاوز الاعتبارات المتعلقة بالزمان والمكان لتوفير هذا اللقاء. وعلى نحو أولي كانت موافقة الرئيس على أن يعقد في غزة يوم الأحد, غير أن رسائل مقلقة بدأت تتوارد من إسرائيل, لا تشكك فقط في جدوى اللقاء, وإنما تدعو إلى عدم إجرائه, وهذه الرسائل ليست موجهة لنا أو لأشقائنا العرب, بل إنها موجهة كذلك لكل العالم الذي يؤيد هذا اللقاء, ويدعو لإنجازه, إنها رسالة يجب أن تقرأ بدقة, فما زال في إسرائيل, من يملأه وهم القدرة العسكرية على تغيير الحقائق الراسخة, ومن يملأه كذلك وهم رؤية استسلام فلسطيني أو تنازل, إننا نقول بكل صراحة ووضوح للشعب الإسرائيلي أولا, وللقيادة الإسرائيلية ثانيا وللعالم بأسره أخيرا, إننا دعاة سلام وطلاب حق وعدل, وإنكم أيها الإسرائيليون تعترفون باحتلالكم لأرضنا, ويرفض اكثر من نصفكم استيطان بلادنا, ويعترف قادتكم جميعا بان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وامتداده العربي الإسرائيلي لن يحل بقوة السلاح حتى فلماذا إذن هذا الابتعاد عن الطريق الوحيد المفضي إلى حل جذري للصراع، ووقف جذري لإراقة الدماء. انه وقف العدوان، والاسترشاد بتفاهمات تنت وتقرير لجنة شرم الشيخ المسماة بلجنة ميتشل والعودة إلى مائدة المفاوضات وحل كافة قضايا الوضع الدائم وفق الشرعية الدولية والاتفاقات التي أبرمت والتفاهمات التي أمكن التوصل إليها قبل الأحداث الأخيرة .
هذا هو الحل الذي تريده، ويريده العالم معنا، إننا إذ نؤكد استعدادنا للقاء السيد بيريس، ننصح بان يأتي مزودا بالتفويض الكافي والصلاحيات التي تجعل اللقاء والتفاهم ممكنا وفعالا ..
السيد الرئيس
السادة الأعضاء
إن العالم كله يمر الآن بفترة حرجه، وهذا وقت الفعل المستنير، والحسابات العملية الدقيقة، إن وقفة مع الذات أصبحت ضرورية للغاية، ومراجعة لأوضاعنا الداخلية والسياسية تظل شرطا ضروريا لمواصلة الصمود، وتطوير كفاءة الأداء والأمر هنا لا يتعلق بالحكومة وحدها، وإنما بجهد جماعي يكون المجلس التشريعي في مركزه، وتكون كافة مؤسساتنا الوطنية في طليعته، مستقبلنا الفلسطيني يحتاج لمثل هذا... والقادم من الأحداث يملي وبشكل ملح التقدم بهذا الاتجاه.